عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

48

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

فاعلم أن الجمال الظاهر يتوصّل إلى إدراكه بطريق الحواسّ وتوسّطها ، وهي لكلّ حيوان ، سواء كان عاقلا أو غير عاقل ، حتى إن الحواسّ الباطنة توجد في البهيمة إلا قوة الفكر فإنّه آلة العقل لا غير ، والجمال العقلي لا يتوصّل إليه إلا بصفاء العقل الإلهي وهذا لا يوجد لكلّ الناس ، فلذلك لا يعقله من الناس ولا يدركه إلا القليل ، ومن وصل إليه يجد فيه من اللذة ما لا يجده مدرك الجمال الظاهر مما لا يقاس ولا يحدّ . ولهذا نجد من الناس من يحبّ الأنبياء والعلماء والفضلاء وذوي الأخلاق الكريمة وليس ذلك إلا لما يعتقد فيهم من كمال صفاتهم الفاضلة الجميلة من قربهم من اللّه تعالى ومحبتهم له ، فيتعصّب لهم من أجل ذلك تعصّبا يفضي به إلى بذل مهجته وأهله وماله وسائر نفائسه في محبتهم ونصرتهم والذبّ عنهم وعن مذاهبهم ، هذه حال من ظنّ بهم هذا الكمال من العوامّ فاعتقده ، فكيف تكون لذة من علم كمال أحوالهم بالبراهين اليقينية وأدرك الجمال العقلي المقرون به ! فأين تكون لذة هؤلاء ممن تقدم ! وأين يكون ذلك من لذة من أدرك هذه الكمالات من نفسه وتطبّع بها وصارت له ملكة ! فهل يقاس لذة نفسه بنفسه إلى لذة شيء مما ذكرناه ؛ وكثير ممن يحبّ العلماء والأفاضل من الناس وهو لا يدري هل كانت صورهم الجسمية حسنة أو قبيحة ، إذ لم يحبّ منهم إلا الصورة الباطنة ، ومن هنا كانت محبة الملائكة لقربهم من اللّه تعالى ومحبتهم له . وقد نجد من الناس من يحبّ من دون هؤلاء رتبة كحاتم الطائي فإن القلوب تحبّه لما انتشر من جوده وسماحته ، وتحبّ عمرو بن معدي كرب لما اشتهر من شجاعته ، والسموأل لما ذكر من وفائه ، والأحنف بن قيس لما نقل من حلمه وعقله ، ولم يلتفت في هؤلاء المذكورين إلى الصورة الظاهرة وهذا بيّن بنفسه . [ من محبة الكمالات الباطنة محبّة العلم ] تنبيه : ومن محبة الكمالات الباطنة محبّة العلم ، فإن النفس تحبّ معلوماتها سواء كانت تلك المعلومات شريفة أو خسيسة ، إلا أنه كلما كان المعلوم أشرف كانت لذّة علمه عند مدركه أعظم ، ولا يخلو أحد من لذّة بعلم ، فإنّا نجد الصبي يلتذّ بمعرفة أصناف اللعب ويفرح إذا نسب إلى النفوذ فيها وتقدّم الأقران في حذقها . وكذلك العالم بصناعة مّا تفرح نفسه إذا انفردت بعلمه بها حتى إن العالم بالشطرنج يبتهج بعلمه به وتشغله لذّته عن الطعام والشراب ويتألم إذا نسب إلى التقصير فيه ، وكذلك نجد من كان عالما بأسرار ملك مدينة وتدبير مملكته فيها